محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
جل ثناؤه قال عقيب ذلك : إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ومعقول أن الله جل ثناؤه لم يأمر المؤمنين بالعفو عن المنافقين على نفاقهم ، ولا نهاهم أن يسموا من كان منهم معلن النفاق منافقا ، بل العفو عن ذلك مما لا وجه له معقول ، لان العفو المفهوم إنما هو صفح المرء عما له قبل غيره من حق ، وتسمية المنافق باسمه ليس بحق لاحد قبله فيؤمر بعفوه عنه ، وإنما هو اسم له ، وغير مفهوم الامر بالعفو عن تسمية الشئ بما هو اسمه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ئ أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) * . يعني بذلك جل ثناؤه : إن الذين يكفرون بالله ورسله من اليهود والنصارى ، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله بأن يكذبوا رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه بوحيه ، ويزعمون أنهم افتروا على ربهم ، وذلك هو معنى إرادتهم التفريق بين الله ورسله ، بنحلتهم إياهم الكذب والفرية على الله ، وادعائهم عليهم الأباطيل . ويقولون نؤمن ببعض يعني أنهم يقولون : نصدق بهذا ونكذب بهذا ، كما فعلت اليهود من تكذيبهم عيسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم وتصديقهم بموسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم ، وكما فعلت النصارى من تكذيبهم محمدا ( ص ) وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم . ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا يقول : ويريد المفرقون بين الله ورسله ، الزاعمون أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ، أن يتخذوا بين أضعاف قولهم : نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض ، سبيلا : يعني طريقا إلى الضلالة التي أحدثوها والبدعة التي ابتدعوها ، يدعون أهل الجهل من الناس إليه . فقال جل ثناؤه لعباده ، منبها لهم على ضلالتهم وكفرهم : أولئك هم الكافرون حقا يقول : أيها الناس هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم هم أهل الكفر بي ، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقا ، فاستيقنوا ذلك ، ولا يشككنكم في أمرهم انتحالهم الكذب ودعواهم أنهم يقرون بما زعموا أنهم به مقرون من الكتب والرسل ، فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كذبة . وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل ، هو المصدق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن وأما من صدق ببعض ذلك وكذب ببعض ، فهو لنبوة من كذب